الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

251

نفحات الولاية

لتعذر وطئ إصبعي اليد عادة سواء عظمي العضد أو الساعد ، ولا يوطئان إلّاحين يقع الإنسان على الأرض . أمّا تشبيهم بربيضة الغنم فهو لا يرمز إلى جهل الناس كما فسره بعض الشارحين ، بل يتضمن إشارة إلى ما أوردناه سابقاً حيث يرمز إلى لو إذ الغنم بالراعي كلواذها بالمرعى حين تتعرض لهجوم الذئاب . فالمسلمون الذين تفرقوا هنا وهناك إثر الهجوم الذي تعرضوا له من قبل ذؤبان عصر الخليفة الثالث وتفككت عرى الوحدة بينهم قد رأوا في الإمام عليه السلام حلقة الوصل فاندفعوا إليه بلهفة ليتجمهروا حوله ويشعروا بالسكينة والاستقرار . غير أنّ المؤسف هو أنّ الاندفاع لم يكتب له الدوام حين عرضوا للاختبار لتفشل فيه طوائف من المسلمين ، وهذا ما صوره الإمام علي عليه السلام إذ قال : « فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت « 1 » أخرى ، وقسط « 2 » آخرون » . وقد أجمع أغلب شرّاح نهج البلاغة على أنّ المراد بهم أصحاب الجمل والنهروان وصفين فقد ذكروا أنّ أصحاب معركة الجمل ( هم طلحة والزبير الذين استغلا وجود عائشة لتأليب الناس ضد أمير المؤمنين ) الذين نقضوا البيعة هم « الناكثين » فقد بايعا علياً عليه السلام وهما يطمعان بالخلاصة فلما لم يتمّ لهما ذلك قدما البصرة وبثا بذور الشقاق والفرقة . و « المارقين » هم أصحاب النهروان ويراد بهم الخوارج الذي خرجوا على الإمام عليه السلام وهبوا لقتاله بعد قضية التحكيم في صفين . وهم من وصفوا بالمروق عن الدين كمروق السهم من الرمية . في إشارة إلى أنّهم قد كانوا على الحق إلّاأنّ تعصبهم الأعمى وجهلهم وحبهم لذاتهم قد أمرقهم من ذلك الحق . و « القاسطين » هم أهل الشام جيش معاوية ، حيث وردت مفردة

--> ( 1 ) « مرق » من مادة « مروق » على وزن غروب بمعنى الخروج من الشيء حيث تستعمل في خروج السهم - ويقول صاحب صحاح اللغة ولسان العرب - المراد به المرور من الهدف وإصابة طرفه ومن هنا سمي الخوارج ب « المارقين » لأنهم كانوا جماعة مفرطة متعصبة رأت نفسها أكثر إسلامية من أمير المؤمنين علي عليه السلام . ( 2 ) « قسط ، » وردت أحيانا بمعنى الظلم والعدول عن الحق ولذلك يقال قسط على وزن فقط للأفراد الذين إعوجت أرجلهم ، كما وردت بمعنى العدل . قال الراغب في المفردات القسط بمعنى السهم والنصيب فإذا أخذ سهم شخصي قيل له قسط وهذا مصداق الظلم ، واقساط تعني دفع سهم الآخر وهذا عين العدالة . وعليه فالمعنيان يعودان إلى مادة واحدة فقد صرّح صاحب لسان العرب أنهّ جاء في حديث علي عليه السلام قال : « أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين » وأضاف صاحب لسان العرب « والقاسطون أهل صفين » .